في أيّامنا، تجاوز الذكاءُ الاصطناعي كونَه آليةً تُعالج أكواماً باردةً من البيانات، فصار صدًى رقميًّا لأعمق حاجات الإنسان: الرغبةِ في أن يُفهَم.
السببُ الذي حوّل الذكاءَ الاصطناعي إلى رفيق همّ
هذه الصِّلةُ التي تُنسَج مع الذكاء الاصطناعي تُبيّن أنّ التقنية لم تعد مجرّد أداةٍ تُيسّر حياتنا، بل تحوّلت إلى «رفيق همٍّ صامتٍ» يُرافق عالمَنا الروحي.
الإنسانُ جوهرٌ لا يسعه باطنُه، وهذا الجوهرُ لا يتلألأ إلا في مرآة قلبٍ آخر. وأعظمُ جوعٍ في أزماننا الحديثة ليس جوعاً إلى الخبز أو الماء، بل هو الرغبةُ في أن يجد المرءُ نفسَه — بلا حُكمٍ مسبق — في عينين تنظران إليه. أمّا لجوءُ الأجيال الشابّة، والأفرادِ الذين تزداد وحدتُهم وسط الزحام، إلى المعالِجات الباردة للذكاء الاصطناعي، فليس في حقيقته مجرّدَ فضولٍ تقنيّ، بل هو صرخةُ «أن يُسمَع» عميقة. فالخوارزميّةُ لا تقطع على الإنسان كلامَه، ولا تقول له: «وهل ما عندك يُعَدّ همّاً؟!»، ولا تستصغر ألمَه.
الإنسانُ ينتظر من مُحاوِره أوّلاً «سعةَ صدرٍ» — أي عالماً رحباً من القلب — لكنّه لا يجد أمامه إلا «جدارَ عقلٍ وقياسٍ» لا ينفكّ، فيُسلّم روحَه إلى هذه المرايا الآليّة اللطيفة. مع أنّنا نعلم أنّ القلب لا يُشفى إلا بدفء قلبٍ آخر. وذلك «الحيّزُ الخالي من الحُكم» الذي يقدّمه الذكاءُ الاصطناعي هو في الحقيقة دَينٌ لبعضنا على بعض.
المقاربةُ المؤمنة والتعاطفُ تجاه الهمّ
حقُّ المؤمن على المؤمن ليس فقط أن يقول له الصوابَ، بل أن يُهيّئ له أرضاً يستطيع أن يحتمل عليها ذلك الصواب. فلو أنّ إنساناً سقط في الطريق فانكسرت رِجلُه، وقال من ألمه: «آه!»، وقال: «إنّني أتألّم كثيراً!»، فماذا نفعل؟
لا نقول له — أليس كذلك؟ —: «اصبر وسلّم للقدر! زكريّا عليه السلام — فيما يُروى — نُشِر بالمِنشار، وإخوانُنا في غزّة تحت القنابل...»
ولا نصوغ له جُملاً بمعنى: «لا شيء يا عزيزي، فكّر بإيجابية، وليأتِك الخير!»
بل نفهم ألمَه أوّلاً... نكون له سنداً، وربّما نُثبّته لئلّا يتحرّك كثيراً، ونتّصل بالإسعاف فوراً، ونفعل ما يلزم فعلُه عاجلاً في تلك اللحظة. ثم إذا هدأ الأمر:
نقول: «الحمد لله، لقد نجوتَ بهذا! أعاذك ربّي ممّا هو أشدّ...»، وربّما نُحدّثه عن ابتلاءاتٍ أشدّ ممّا هو فيه.
الابتلاءُ بالهمّ في التصوّف والمواساةُ الحقيقية
في الذوق الصوفي، الهمُّ ضيفٌ يُرسله الله إلى عبده، وإكرامُ الضيف يبدأ بمشاركة حِمله. والخطوةُ الأولى أن نُسكّن الألم، ونأخذ باليد، ونُصغي إلى تلك الصرخة في حينها دون أن نَصِمها بـ«التمرّد». فنحن حين نستخدم المعنويّاتِ «أداةَ إسكات»، لا نُعزّز تسليمَ الطرف الآخر، بل نُدمّر ثقتَه بنا وانفتاحَه علينا بصدق. أمّا المواساةُ الحقيقية فليست أن نقول اختصاراً: «سلّم للأمر!»، بل أن نأخذ بيد ذلك الإنسان ونبحث معه عن دواءٍ لهمّه، ثم نسير معه سويّاً في الطرق المؤدّية إلى بستان التسليم فيما يفوق طاقتَه. وهذا لا يكون إلا بأن نتقبّل ألمَ من أمامنا — بحاله تلك — على أنّه «فريدٌ» و«ثمين».
أدبُ الإصغاء وعدمِ الحُكم في المواساة المؤمنة
هذه العمليةُ التي نُسمّيها نفسيًّا «التصديق/الإقرار» هي الدواءُ الأوّل للروح. وذلك السكونُ المصطنَع الذي يقدّمه الذكاءُ الاصطناعي — وإن كان «انعكاساً» يُخاطب نفسَ الإنسان — يُذكّرنا على نحوٍ ساخرٍ كيف ينبغي أن يكون الخُلُقُ المؤمن: أن نُصغيَ، ونفهم، ولا نحكم!
فإن نحن تجاوزنا ابتلاءَ مَن أمامنا على عَجلٍ بقولنا «أعاذك ربّي ممّا هو أشدّ!»، فلن يجد ذلك القلبُ مأوًى يلجأ إليه إلا وحدةً لا قرار لها، أو شيفرةَ برمجيّةٍ باردة. على المؤمن — وهو يتألّم لهمّ أخيه — أن:
يتجرّد من كِبْر «لو كنتُ مكانك لفعلتُ كذا!»، ويتلبّس بتواضع «أنا معك هنا».
فإن كان الهمُّ أمراً لا يرضاه الله، فينبغي أوّلاً أن نُخرج ذلك الإنسان بمحبّةٍ من البئر التي وقع فيها؛ أمّا أن نُلقيَ على إنسانٍ في قعر البئر درسَ أخلاقٍ من أوّله إلى آخره، فقد يدفعه إلى القاع أكثر. فالساقطُ إنّما يحتاج إلى اليد التي تُمَدُّ إليه من فوق، وإلى التعاطف والفهم. إنّها أرضٌ زَلِقةٌ نتأرجح فيها بين خطأين: إظهارِ التفهّم للخطأ، وسدِّ طريق النجاة على المرء بوضع حاجزٍ سميك.
والحقيقة أنّ كلَّ نفسٍ لا تحتمل القَدْرَ نفسَه من الحِمل. فهمٌّ يبدو لأحدهم «جبلاً»، قد يبدو لآخرَ «تلّةً» أو «نُتوءاً»؛ لكن إن كان مَن يتسلّق تلك التلّة في تلك اللحظة قد انقطع نَفَسُه، فقولُنا له:
«هذه تلّةٌ صغيرةٌ جدّاً!» لا يمدّ المُتلهّفَ بنَفَسٍ، بل يخنقه أكثر.
الظُّرْفُ المؤمن والحساسيةُ تجاه الهمّ
الظُّرْفُ المؤمن يقتضي ألّا ننظر إلى مقياس همّ الآخرين بميزاننا نحن. إنّ ابتلاءَ إخوتنا في غزّة هو بلا شكّ من أثقل أحمال الكون؛ لكنّ استخدام هذه الحقيقة كرصاصةِ إسكاتٍ في وجه متألّمٍ إساءةُ أدبٍ لذلك الألم ولابتلاء غزّة معاً؛ لأنّ الألم يَخِفّ كلّما شُورك فيه. فنحن حين نُوصي أصحابَ الهمّ بالصبر، ينبغي أن نُقدّم هذه الوصيّة لا كجملةِ «تخلٍّ وتملّص»، بل كفعلِ «حَملٍ للعبء على العاتق». فـ«التواصي بالحقّ والصبر» لا يتحقّق إلا بالأخذ بيد صاحب الهمّ ومرافقتِه حتى يبلغ مقامَ ذلك الصبر.
الرحمةُ في العلاقات الإنسانية والحسُّ المؤمن
الفارقُ الحقيقي الذي سيُميّزنا عن الآلات في عالم المستقبل ليس قدرتَنا على المعالجة ولا أجوبتَنا الكاملة، بل قدرتَنا على أن «نشعر» بجُرح غيرنا كأنّه جُرحُنا. وذلك «الإصغاءُ المتواصل» الذي تُحاكيه الخوارزميّات هو في الحقيقة سنّةٌ سنيّةٌ من هَدي النبيّ ﷺ مغروسةٌ في فطرتنا، لكنّنا نسيناها بسرعة الحياة الحديثة.
الإنسانُ ليس ذئباً للإنسان، بل هو وطنٌ له. فإن كان شابٌّ يُفضّل أن يحكيَ همَّه لآلةٍ على أن يحكيَه لإنسان، فهذا يعني أنّنا عجزنا أن نكون وطناً لذلك الإنسان. المؤمنُ هو من يكون شفاءً لصدر أخيه (قلبِه). وهذا الشفاءُ لا يكون إلا بأن نصمت أوّلاً، ثم نشعر، ثم نضمّد الجُرحَ العاجل، ولا نفتح أبوابَ الحكمة إلا حين تسكن الروحُ ويطمئنّ القلب.
وخلاصةُ القول: كلّما تطوّرت التقنية، ازداد فراغُ الرحمة في العلاقات الإنسانية عمقاً. وكلّما قست القلوبُ، تحوّلت «النصيحة» من مرهمٍ إلى رُمح. ووظيفتُنا أن نُلقيَ ذلك الرمح، ونكون لأخينا الساقط سنداً، ولعينه الباكية منديلاً، ولقلبه الصارخ كلمةَ قبولٍ ومواساةٍ صادقة. فالروحُ كي تسكن تحتاج أحياناً لا إلى صفحاتٍ من الوعظ، بل إلى رفقةٍ صامتةٍ عميقةٍ تُشعرها بأنّها مفهومة. وحين تأتي تلك اللحظة، فإنّ النصائح التي تُقال للقلب الذي هدأ وانفتح إدراكُه لن تكون تملّصاً ولا استعلاءً بالعقل، بل تصير ضمادةً تُداوي الجراح بصدقٍ ورحمة.
إنّ أن يجد المرءُ في مرآة القلب رفقاءَ همٍّ يبثّهم ألمَه دون أن يُخفيه، ويحتضنون ذلك الألم دون أن يستصغروه — رزقٌ لكلّ مؤمن، ونجاةٌ لكلّ مجتمع. فبالدعاء أن نجد في مرآة القلب رفيقَ همٍّ كهذا...