أمُّنا ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها هي آخرُ زوجاتِ رسول الله ﷺ التي شُرّفت بنكاحه. وهي من السعداء الذين نالوا شرفَ أمومةِ المؤمنين، إذ انضمّت إلى بيت النبي ﷺ برغبتها عند العودة من عُمرة القَضاء.

إنّها ذكرى دخولِ شمسِ الكونين ﷺ مكّةَ آمناً مطمئناً مع أصحابه بعد سبع سنين من الهجرة. وهي أختٌ لأمّنا زينب بنت خُزيمة من جهة الأمّ. وهي أمٌّ من أمّهاتنا خُتمت بها زيجاتُ النبي ﷺ.

حياةُ ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها

كانت من قبيلة بني هِلال بمكّة. واسمُها الأصلي «بَرّة»، فغيّره النبيُّ ﷺ إلى «ميمونة». وقد سُمّيت ميمونة تيمّناً بذكرى دخوله ﷺ مع أصحابه — بعد الهجرة — البلدةَ المباركة مكّةَ آمناً مطمئناً. وأمُّها هندُ بنت عوف بن زهير بن الحارث، وكانت ذاتَ مكانةٍ عظيمةٍ بين الناس، حتى كان يُقال لها: «أسعدُ العجائز حظًّا»؛ فقد زوّجت بناتها كلَّهنّ من وجهاء زمانها وأعيانه والمشهورين.

الأخوات المؤمنات

كان شمسُ الكونين ﷺ يُثني على أخوات ميمونة رضي الله عنها الثلاث فيُسمّيهنّ «الأخوات المؤمنات». فمنهنّ زينبُ بنت خُزيمة رضي الله عنها كانت زوجةَ النبي ﷺ، وأمُّ الفضل لُبابةُ الكُبرى رضي الله عنها زوجةَ العباس، وأسماءُ بنت عُميس رضي الله عنها زوجةَ جعفر بن أبي طالب. وأخواتُها الأخريات: سَلمى بنت عُميس كانت زوجةَ حمزة؛ ولُبابةُ الصُّغرى أمُّ خالد بن الوليد كانت زوجةَ الوليد بن المغيرة؛ وأسماءُ بنت الحارث زوجةَ أُبيّ بن خلف؛ وعَزّةُ بنت الحارث زوجةَ زياد بن عبد الله. وكنّ جميعاً من وجهاء المجتمع، ممّن نِلْنَ المكانةَ بين الناس بخِدماتهنّ وشجاعتهنّ وإقدامهنّ وبطولاتهنّ.

كانت ميمونة بنت الحارث قد تزوّجت في الجاهلية من مسعود بن عمرو بن عُمير الثقفي، فلمّا فارقته تزوّجت من أبي رُهم بن عبد العُزّى، فلمّا مات تأيّمت. ثم وقع في قلبها وَجدٌ، فلم تعد ترغب في الزواج من أحد، إلا استثناءً واحداً: هو شمسُ الكونين ﷺ.

كانت تعلم أيَّ شرفٍ عظيمٍ أن تنضمّ إلى بيت رسول الله ﷺ. فاستقرّ في قلبها شوقٌ متأجّجٌ إلى نيل هذا الشرف، وأخذ قلبُها يتّقد كالنار. وصار حلمُها أن تبلغ شرفَ «زوجةِ رسول الله — أمِّ المؤمنين». لكن، كسيّدةٍ كريمة، لمن تبوح بهذا الحال؟ ففكّرت ودبّرت، ثم باحت بأمرها إلى أختها أمِّ الفضل التي رأتها أقربَ الناس إليها، وأوثقَهنّ ألّا تُسيء فهمها وأن تُترجم مشاعرها. فحدّثتها عمّا في قلبها من محبّةٍ لرسول الله ﷺ.

فبادرت أمُّ الفضل لتُترجم مشاعرَ أختها المتّقدة، فنقلت نيّتها ورغبتها الصادقة إلى زوجها العباس رضي الله عنه. فذهب هو على الفور إلى حضرة فخر الكائنات ﷺ ليُبلّغه رغبةَ سِلْفته الطبيعية. فلمّا دخل عليه حدّثه عن حالة ميمونة الوجدانية، ووصف له ما تُكنّه من محبّةٍ له، وأخبره أنّها تأيّمت.

وأثنى على أخلاقها العالية وفضائلها فمدحها للنبي ﷺ، وقال إنّه سيُسرّ بزواجه منها، بل عرض أن يَعقد نكاحها إن شاء النبيُّ. وأظهر — بصفته عمًّا — رغبتَه الشديدة في أن يتزوّج النبيُّ ميمونة.

وكان لشمس الكونين ﷺ محبّةٌ خاصّة لأعمامه، لا يستطيع أن يردّ لهم طلباً. فلمّا ألحّ عليه عمُّه الحبيب في زواجه من سِلْفته، أخبره بقبوله الزواجَ من ميمونة. فلمّا بلغ هذا الخبرُ ميمونةَ رضي الله عنها فرِحت فرحاً شديداً. وكانت راكبةً على بعيرٍ في طريقها إلى مكان، فلمّا سمعت أنّ النبيَّ ﷺ خطبها، نزلت من بعيرها على الفور وقالت:

«البعيرُ وما عليه لرسول الله.» وأعلنت بذلك فرحها ورضاها.

وفي روايةٍ أنّها وهبت نفسَها لرسول الله ﷺ. فنزلت في ذلك الآيةُ الكريمة التي هذا معناها:

«يا أيُّها النبيُّ إنّا أحللنا لك أزواجَك اللاتي آتيتَ أُجورَهنّ وما ملكت يمينُك ممّا أفاء اللهُ عليك وبناتِ عمِّك وبناتِ عمّاتك وبناتِ خالك وبناتِ خالاتك اللاتي هاجرنَ معك وامرأةً مؤمنةً إن وهبت نفسَها للنبيِّ إن أراد النبيُّ أن يستنكحَها خالصةً لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانُهم لكيلا يكون عليك حرجٌ وكان اللهُ غفوراً رحيماً.» (سورة الأحزاب: 50)

زواجُ ميمونة رضي الله عنها من رسول الله ﷺ

كان انضمامُ أمّنا ميمونة رضي الله عنها إلى بيت رسول الله ﷺ، ونيلُها شرفَ أمومةِ المؤمنين، وحفلُ زواجها، على هذا النحو:

أراد رسولُ الله ﷺ في السنة السادسة من الهجرة أن يعتمر، فلم تأذن قريشٌ تلك السنةَ بدخوله مكّة، فعُقد صلحُ الحديبية، وعاد على أن يدخل مكّة في العام التالي ويُقيم بها ثلاثة أيّام.

ففي ذي القَعدة من السنة السابعة للهجرة خرج النبيُّ ﷺ من المدينة للعمرة. وأخلت قريشٌ مكّة — وفاءً بالصلح — مدّةَ زيارة المسلمين. ونصب الناسُ خيامهم على سفوح الجبال يُشاهدون قدومَ النبي.

قدّم رسولُ الله ﷺ هَدْيَه أوّلاً، ثم ركب ناقته «القَصواء»، وسار وسط أصحابه من «مَرّ الظَّهْران» حتى دخل مكّةَ المكرّمة. وطاف بالبيت على بعيره، وقريشٌ تنظر من بعيد. ثم سعى بين الصفا والمروة على بعيره أيضاً، ونحر هَدْيَه، وحلق وتحلّل من إحرامه.

مرّت الأيام الثلاثة سريعاً. ولم يكن ﷺ يريد إثارة التوتّر مع أهل مكّة؛ فالعهدُ سيُوفى به. لكنّه كان يرغب في إيجاد فرصةٍ لتواصلٍ أكثرَ ودًّا وجوٍّ أدفأ معهم. وقد جاء عرضُ الزواج من ميمونة سِلْفةِ عمّه العباس رضي الله عنه في هذا الوقت بالذات. فقَبِل النبيُّ ﷺ العرض، ليُحقّق رغبةَ عمّه، ولِما رآه وسيلةً لبلوغ هدفه المنشود؛ إذ اتّخذ ذلك فرصةً لتأليف قلوب قريشٍ المُصرّين على الكفر نحو الإسلام.

أرسل وجهاءُ قريش صباحَ اليوم الرابع سُهيلَ بن عمرو في نفرٍ معه رسولاً إلى رسول الله ﷺ، فذكّروه بما عاهدهم عليه في الحديبية. فقال ﷺ: «نعم، كذلك... لكن لو أذِنتم لنا أن نُقيم هنا يوماً آخر، فقد تزوّجتُ امرأةً منكم — ميمونة — فلو أقمتُ حفلَ الزواج بينكم وحضرتم وليمةَ العُرس...»

فقال مندوبو قريش: «لا، لسنا براضين بذلك. لا حاجة لنا بحضور وليمة عُرسك. اخرج عنّا الآن.» فقال النبيُّ ﷺ: «لكم الحقّ»، وعمل بمقتضى رغبتهم، وأمر أصحابه بالخروج من مكّة.

فلم يبقَ في مكّةَ أحدٌ حتى المساء. وخرج الصحابةُ الكرام جماعاتٍ بعد أن جمعوا متاعهم. ونزل رسولُ الله ﷺ بموضعٍ يُقال له «سَرِف» قرب التنعيم. وكان قد خلّف مولاه أبا رافع رضي الله عنه ليأتيَ بأمّنا ميمونة رضي الله عنها. فجاؤوا بعد حين. ونُصبت الموائدُ لوليمة أمّنا ميمونة، وأُقيمت وليمةُ العُرس. وهكذا تمّ آخرُ زواجٍ للنبي ﷺ في شوّال من السنة السابعة للهجرة.

وهنا غُيّر اسمُها «بَرّة». وسُمّيت «ميمونة» تيمّناً بذكرى دخوله — بعد سبع سنين من مغادرته مكّة — البلدةَ المباركة مكّةَ مع أصحابه آمناً مطمئناً لأوّل مرّة. وعُرفت أمُّنا منذ ذلك اليوم بهذا الاسم دائماً.

كرمُ ميمونة رضي الله عنها وخُلُقُ الإنفاق

كان الإذنُ بالزواج المُعطى لفخر الكائنات ﷺ قد انتهى بأمّنا ميمونة. وأعلن اللهُ تعالى ذلك بهذه الآية الكريمة:

«لا يحلُّ لك النساءُ من بعدُ ولا أن تبدّل بهنّ من أزواجٍ ولو أعجبك حُسنُهنّ إلا ما ملكت يمينُك وكان اللهُ على كلِّ شيءٍ رقيباً.» (سورة الأحزاب: 52)

كانت أمُّنا ميمونة رضي الله عنها سيّدةً كثيرةَ الخير، تُحبّ عتقَ الرقاب كثيراً. وكان النبيُّ ﷺ يدعو لها لأجل هذا الخُلُق فيقول: «أثابكِ اللهُ على هذا الخير.»

وكانت أحياناً تستدين مالاً فتُنفقه. واستدانت مرّةً مبلغاً كبيراً، فقيل لها: «يا أمَّ المؤمنين! كيف تجترئين على الاستدانة؟ كيف ستُوفّين هذا؟» فأجابت أمُّنا ميمونة بحديثٍ شريفٍ سمعته من رسول الله ﷺ، إذ قال ﷺ:

«ما من أحدٍ يَدّانُ دَيناً وهو يريد أن يؤدّيه إلا أعانه اللهُ.»

فضلُ ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها ورواياتُها ووفاتُها

قالت أمُّنا عائشة رضي الله عنها في حقّها: «كانت ميمونةُ أتقانا لله، وأوصلَنا للرحِم وأرعانا لذوي قرابتها.»

روت أمُّنا ميمونة رضي الله عنها — التي عاشت مع شمس الكونين ﷺ أربع سنين — ستّةً وأربعين حديثاً شريفاً، منها:

أخبرت أمُّنا ميمونة فقالت: «كان رسولُ الله ﷺ إذا سجد جافى بين يديه حتى يبدوَ بياضُ إبطيه. وإذا قعد اطمأنّ على فخذه اليُسرى.»

وروت كذلك عن النبي ﷺ في أمور النساء. فعن عبد الله بن شدّاد رضي الله عنه قال: سمعتُ ميمونة تقول:

«ربّما كان يحدث أن أكون حائضاً لا أصلّي، وأنا مُفترِشةٌ بحذاء مُصلَّى النبي ﷺ وهو يصلّي على خُمرته، فإذا سجد أصابني بعضُ ثوبه.»

أمُّنا ميمونة رضي الله عنها هي آخرُ زوجاتِ رسول الله ﷺ التي شُرّفت بنكاحه. مرِضت بمكّة سنةَ إحدى وخمسين للهجرة وهي في الثمانين من عمرها، عند عودتها من الحجّ. فطلبت أن يُخرجوها خارج المدينة؛ لأنّ رسول الله ﷺ كان قد أخبرها أنّها تموت خارج مكّة. فلمّا بلغت موضعَ «سَرِف» قرب التنعيم أسلمت روحَها. وكان زواجُها من شمس الكونين ﷺ قد تمّ في هذا المكان نفسه.

صلّى على جنازتها ابنُ أختها عبدُ الله بن عباس رضي الله عنهما، ودُفنت في سَرِف. وحين كان نعشُها يُحمل في الطريق قال ابنُ عباس رضي الله عنهما:

«ارفقوا بها، ولا تُزعزعوها ولا تُزلزلوها، وامضوا في طريقكم بأدب؛ فإنّها أمُّكم.»


المصدر: مصطفى إريش، «زوجاتُ نبيّنا»، منشورات أرقم.

الإسلام والإحسان